بقلم : عبدالرحيم بخاري
روح الطفولة ، نقاؤها وجمالها كانوا حاضرين هناك في مخيّم عُمريّة القيادي ...
هي رسالة أردنا إيصالها لمجموعة من الأطفال ، ذهبنا لنغرس في نفوسهم صفات الفاروق عمر بن الخطاب ، عدالته و قوّته و صِدقه , من يدري ، قد يكونوا هم جيل المعجزة الذي لطالما انتظرناه ..
تعددت المواضيع و النقاشات معهم ، من الشخصية العمرية القيادية التي ارتفعت بالاسلام و هزت أركان كسرى و قيصر و أسقطتهم ، إلى سياسته الداخلية و حزمه مع القريب قبل البعيد ، ثم كان الحديث عن النهضة و الوحدة الاسلامية المنشودة ، و اختتمنا المخيم بقضيتنا الأم ، فلسطين الحبيبة الطاهرة ..
ثلاثة أيام قضيناها في تلك المدينة العمرية ، كان الشعب ( أطفال المخيم ) بيدهم مقاضاة السلطة ( المشرفين ) متى ما رأوا منا تقصير في أي جانب , استطاعت قوة الشعب أن تفرض العقوبة على أحد أفراد السلطة في أحد المواقف التي خالف فيها النظام , الأطفال متمردون بطبيعتهم على مالا يعجبهم , و يا لسعادتي برؤية هذه الصفة فيهم ..
بعيدًا عن المخيم ، ما أجمل التمرد على كل ظالم مستبد لا يساوي بينه و بين عامة الناس ..
الأطفال يتميزون عنا في عدم إدراكهم لصعوبات الحياة , لا توجد قيود لكلامهم و تساؤلاتهم كالتي تقيدنا و تخيفنا , و تعزيز هذه الجرأة فيهم أمر ضروري لاستمرارهم على نفس النهج , أكبر خطيئة قد يرتكبها مربّي هي استمراره في منع الأطفال من حرية التعبير و الحديث عما يجول في خاطرهم و مخيلتهم ..
حاولنا جاهدين أن نخرج كل ما تكنه عقولهم بشتى الطرق ، استفزازهم ببعض الأسئلة و النقاش حول القضايا الحالية و التاريخية التي أثرت على مسار الأمة ، رفعنا سقف حرية الحديث و الرأي ، و ربما قد أزلناه تمامًا ..
عندما تطرقنا لموضوع الحقوق و المساواة ، سأل أحد الأطفال ( 9 سنوات ) :
" لماذا نُجبر على الوقوف و الانتظار لمدة طويلة في الشارع عندما يمر موكب للملك أو أحد الأمراء ؟؟ لماذا لا يُعاملون بالمثل كعامة الشعب ؟؟ "
لا غرابة أن يتبادر هذا السؤال لذهن الطفل بعد أن سمع كيف كان ابن الخطاب يمشي في طرقات المدينة و مكة دون حرس ، و كان يتبادل ركوب جمله وقت السفر مع خادمه ؟ كيف لا يتبادر هذا السؤال و قد سمع قول رسول كسرى : ( حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر ) ؟
طفل آخر يقول : " لو أصبحت مسؤولا لن أستخدم الحرس لحمايتي و لن أخاف أن يتعدى أحدهم عليّ " سألناه لماذا فأجاب : " لأني لن أظلم أحد "
ليت أولئك المسؤولين الذين لم يستطيعوا حمل الأمانة سمعوا حكمتك يا صديقي .. نعم هو صديقي و كلي فخر بصداقة طفل رائع مثله ..
و آخر يقول : " لابد أن تكون هناك مساواة في كل القضايا حتى لو كان أحد أطراف القضية كافر "
هذا المعنى الإنساني العظيم الذي لا يدركه كثير من الكبار و المتعالمين الذين امتلأت بهم جامعاتنا و محاكمنا ..
عند انطلاق المخيم ، كنا متخوفين من ثقل البرنامج من الناحية الفكرية على أطفال تتراوح أعمارهم بين 9-11 سنة , و مع انتهائه تأكدنا أن تخوفنا لم يكن في محله عندما طالب الأطفال بمخيم آخر نطلق عليه اسم : محمّديّة
انتهى المخيم .. لا أدري من الذي خرج بالفائدة الأكبر، نحن فريق المشرفين أم الأطفال الذين تعلمنا منهم عدم التردد و الخوف من طرح الأسئلة و إبداء الرأي ؟؟
نحن بحاجة لعدة مخيمات و معسكرات كهذه في مختلف المدن بإشراف شباب يستطيع تحمل المسؤولية التي تلقى على عاتقه
شكرًا لفريق غراس ، و شكرًا لأهالي المشاركين لثقتهم بنا و ائتمانهم على أطفالهم بين أيدينا ..









